فقدان الشغف كذبة أبدعتها السوشيال ميديا

حب الشئ غير كافٍ للإبداع فيه

فقدان الشغف كذبة أبدعتها السوشيال ميديا

لو عدتُ لبداية رحلتي، لن أبحث عن الشغف أولًا. سأبدأ بما هو متاح، ألتزم قليلًا، وأمنح نفسي فرصة حقيقية للتجربة.
لأن الشغف الحقيقي — كما تعلّمت بعد سنوات من التخبط — لا يُكتشف فجأة، بل يُبنى مع الوقت.

في البداية كنت أعتقد أن الشغف هو نقطة البداية الوحيدة، وأن غيابه يعني أنني في الطريق الخطأ. كنت أبحث عن الشعور قبل الفعل، وعن الحماس قبل الالتزام، وهو ما جعلني أبدأ كثيرًا… وأتوقف أكثر.

لكن مع مرور الوقت، أدركت أن المشكلة لم تكن في غياب الشغف، بل في انتظاره. وبعد هذه القناعة، بدأت ألاحظ نمطًا يتكرر مع كل من حولي تقريبًا

وتجربتي لم تكن استثناءً؛ فوفقًا لتقرير نشرتهانتظر 5 ثانية لظهور الرابط BBC Worklife، فإن فقدان الشغف مرحلة شائعة، وغالبًا ما يكون انتظار الشغف قبل الفعل أحد أكبر أسباب التوقف لا الاستمرار.

كيف كان يظهر فقدان الشغف في حياتي؟

كان يظهر في تفاصيل صغيرة لا تلفت الانتباه:

جاري تحميل الإعلان...
  • تأجيل الدروس ليوم آخر… ثم ليوم آخر
  • افتح الكورس بحماس، وبعدها أغلقه بعد دقائق بلا سبب واضح
  • وبعدها يلاحقني الشعور بالذنب بدل الحماس
  • المقارنة المستمرة بالآخرين: كنت دوماً أقارن نفسي بناس من نفس مجالي ولكن كنت أغفل ان لكل منّا قدرات مختلفة.
  • فقدان الرغبة حتى في أشياء كنت أحبها يومًا ما

وقتها كنت أظن أن المشكلة فيّ أنا. أنني لا أملك “الانضباط الكافي”، أو أنني ببساطة لا أحب الاستمرار في أي شئ بدأته.

لكن مع الوقت، وبعد كثير من المحاولات الفاشلة، أدركت شيئًا مهمًا: فقدان الشغف لم يكن ضعفًا مني… بل إشارة, إشارة أنني أبني رحلتي على أساس خاطئ،

ماذا فعلت في فترة فقدان الشغف؟

1- قللت كل شيء إلى الحد الأدنى

 كنت أحاول الالتزام بخطط كبيرة:

  • ساعتين كتابة محتوى يوميًا + تصميم منشورات + كورس جرافيك ديزاين كامل…

  • كنت أضع نفسي تحت ضغط “لازم أنجز كل شيء اليوم”، وغالبًا كنت أفشل قبل أن أبدأ.

تعلمت أن الحل هو تبسيط الالتزام إلى أصغر مهمة قابلة للتطبيق:

جاري تحميل الإعلان...
  • مهمة واحدة صغيرة فقط يوميًا: كتابة فقرة واحدة، تصميم منشور واحد، مشاهدة فيديو تدريبي واحد
    وأن الاستمرارية أهم حتي لو كانت المهام قليلة.

هذه الطريقة ساعدتني على:

  1. كسر حاجز البداية

  2. تراكم المهارة تدريجيًا

  3. تقليل الشعور بالإرهاق والذنب

2- توقفت عن التعلم من أجل الشعور بالإنجاز

كنت أتعلم فقط لأشعر أنني أفعل شيئًا مفيدًا. لكن هذا النوع من التعلم سريع الاحتراق.

وتعلمت أيضاً أن أفرق بين: التعلم الحقيقي والتعلم كمسكن للنفس

وقتها توقفت عن التعلم لإرضاء شعوري بالقلق والإنجاز المزيف.

3- اختيار المجال المناسب بعيداً عن المثالية

كنت أبحث عن المجال المثالي لأتعلمه ولكنني نسيت شيئاً بسيطاً ( هو مثالي لمين؟)

المثالي للناس ليس بالضرورة أن يكون مثالي لي, تذكرت أنني وقتها كنت بدأت في تعلم البرمجة لأنها مجال المستقبل و….., استمريت لمدة أسبوع فقط متقطع لأنني لم أحدد هدفي من تعلمها وكان من الضروري أن أسأل نفسي هل أستطيع استخدامالبرمجة الأن؟ هل أستفيد منها ولو بنسبة بسيطة؟

عرفت بعدها أنه كان المجال الغير مناسب لي رغم أنه من المجالات المهمة, واتجهت لتعلم مجال كتابة المحتوي لأنه كان المناسب لي.

جاري تحميل الإعلان...

4- سمحت لنفسي بالملل بدون جلد ذاتي

أحد أهم الدروس التي تعلمتها: الملل لا يعني انني في الطريق الخطأ.

كل مسار طويل يحتوي على فترات:

  • فتور

  • رتابة

  • تعب ذهني

و توقفت عن جلد ذاتي كل يوم وتقبلي لفترات الملل والفتور علي أنها فترات عادية ومؤقتة ليس حتمياً أن يلاحقها فقدان الشغف.

لماذا اكتشفت أن الشغف لا يصلح كقاعدة للتعلم؟

1- لأنني بنيت التعلم على شعور متقلب

في تجربتي، اكتشفت أن الشغف شعور غير مستقر.
كنت أشعر بالحماس يومًا، وأفقده في اليوم التالي دون سبب واضح. وعندما جعلت هذا الشعور هو الأساس، أصبحت رحلتي التعليمية غير متزنة.

تعلمت بالطريقة الصعبة أن التعلم لا يحتاج شعورًا قويًا بقدر ما يحتاج:نظام بسيط وتكرار

وهي أشياء لم يكن الشغف وحده قادرًا على توفيرها لي.

2- لأن الشغف اختفى عند أول احتكاك بالواقع

عندما بدأت أتعلم بجدية، اصطدمت بالواقع: مهام مملة ودروس تحتاج إعادة أكثر من مرة لكي أفهمها

كنت أفسر هذه المشاعر على أنها علامة أن المجال ليس شغفي، بينما الحقيقة التي لم أفهمها وقتها أن الملل جزء طبيعي من أي مسار حقيقي.

جاري تحميل الإعلان...

كل مجال، دون استثناء، يحتوي على لحظات لا تحبها… لكنك تحتاجها.

3- لأن الشغف لم يجعلني كفاءة

كنت أؤمن — مثل كثيرين — أن حب الشيء كافٍ للإبداع فيه. لكن الواقع كان صادمًا بالنسبة لي.

وادركت أيضاً ان الكفاءة لم تأتِ من الحب، بل من:

  • التدريب المتكرر
  • ارتكاب الأخطاء
  • المراجعة
  • الصبر على النفس

ومع أول إحساس حقيقي بالكفاءة، ظهر شيء لم أكن أبحث عنه أصلًا… الشغف الهادئ، الصادق، غير المبالغ فيه

ماذا استخدمت بدل الشغف؟

الالتزام الواعي

تعلمت أن الالتزام لا يعني القسوة على النفس، ولا الانتظار حتى أشعر بالحماس. بل يعني الاستمرارية حتى في غياب الشعور. كنت أقول لنفسي: ليس مطلوبًا أن أحب هذا الآن… المطلوب فقط أن استمر في فعله حتي اتاكد أنني أُحبه.

وهذا ما ساعدني على بناء روتين يومي ثابت للتعلم، حتى لو كان نصف ساعة فقط يوميًا التعامل مع الدروس المملة أو الصعبة في كورسات كتابة المحتوى أو الجرافيك ديزاين دون توقف.

الالتزام الواعي هو الذي يحول التعلم من مجرد رغبة عابرة إلى مهارة مستمرة قابلة للقياس. حتى في أسوأ الأيام، كنت أطبق قاعدة: “ابدأ فقط بالوجود، والباقي سيأتي لاحقًا.”

جاري تحميل الإعلان...

الفضول بدل الشغف

الفضول كان أخف على نفسي، وأكثر استدامة من انتظار الشغف. بدل السؤال المرهق: “هل هذا شغفي؟” بدأت أسأل أسئلة عملية: ماذا يمكن أن أتعلم من هذا الكورس؟ هل أستطيع فهم أساسيات كتابة المحتوى أو تصميم الجرافيك؟ هل يمكن أن أطبق هذه المهارة عمليًا في مشروع صغير أو محتوى حقيقي؟ هل ستساعدني هذه المعرفة في تحسين أعمالي أو فرصي المهنية؟

الفضول خلق محركًا داخليًا مستمرًا، لأنه يركز على التعلم وليس على المشاعر. إضافة لذلك، الفضول ساعدني على: تجربة أدوات وتقنيات جديدة مثل Photoshop وCanva أو أدوات كتابة المحتوى دون الخوف من الفشل.

 كيف تغلبت على فقدان الشغف وطبقت ما تعلمته

القيمة العملية لما أتعلمه هي ما جعلتني أستمر في التعلم حتى خلال فترات فقدان الشغف.
 واجهت فقدان الشغف بشكل متكرر: أحيانًا كنت أفتح كورس كتابة المحتوى وأغلقه بعد دقائق، وأشعر بالإحباط بسبب فقدان الشغف تجاه كل شيء.

كنت أبحث دائمًا عن الأثر المباشر لما أتعلمه، لأن أي تعلم بلا قيمة محسوسة كان يزيد من فقدان الشغف ويهدد استمراريتي.

جاري تحميل الإعلان...

ولكي أتغلب على ذلك، بدأت أطبق ما أتعلمه عمليًا من خلال التطوع في مؤسسات تعليمية ومجتمعية مثل free courses and books، حيث كنت أطبق مهارات كتابة المحتوى على مشاريع حقيقية، مثل:

  • إنشاء مقالات ومحتوى لمواقعهم ومنصاتهم

  • تصميم مواد تعليمية مبسطة

  • تجربة أفكار تسويقية صغيرة دون خوف من الفشل

وبعد هذه الرحلة الطويلة المستمرة إلي الأن, تعلمت درسًا  واضحًا: الحب وحده لا يصنع التغيير، والشغف وحده لا يكفي للاستمرار. ما ينقلنا من مرحلة التجربة إلى الاحتراف هو الالتزام الواعي، الفضول المستمر، والقيمة العملية لكل ما نتعلمه.

فقدان الشغف جزء طبيعي من أي مسار طويل، وليس علامة على فشلنا أو ضعفنا. المهم أن نعرف كيف نتعامل معه: نبدأ صغيرًا، نطبق ما نتعلمه عمليًا، ونرى أثره على قدراتنا وحياتنا العملية.

ابدأ الآن بما هو متاح لك، التزم بالخطوات الصغيرة، وطبق معرفتك في مشاريع حقيقية، حتى لو لم تشعر بالشغف في البداية. ستجد أن الشغف الحقيقي يظهر لاحقًا، كثمار لما زرعته من التزام وجهد وتجربة عملية، وليس كشرط للبداية.

جاري تحميل الإعلان...