تعلم الترجمة خطوة بخطوة: دليل عملي للمبتدئين

دليل المبتدئين لتعلم الترجمة

في السنة الأولى في الجامعة، سألني الأستاذ الجامعي: ماذا تريدين أن تعملي بالألماني؟ فقلت: أريد أن أعمل في الترجمة، فكان رده: لا، هذه مهنة سيستبدلك فيها الذكاء الاصطناعي، مثلما يقال: جبر الخواطر هذا!

وبغضّ النظر عن رد فعلي السيئ المتقاعس، إلا أن هذا المقال موجه لمن يريد تعلم الترجمة خطوة بخطوة، ولديه استعداد وقدرة على الوقوف على ناصية رغبته وحلمه والمحاربة لأجلها، وألّا يكون متقاعسًا مثلي.

ما هي الترجمة؟

قبل تعلم الترجمة خطوة بخطوة يجب أن تعلم أن فهم الشيء فرع عن تصوره، ولتفهم ما هي الترجمة وبالتالي تتعلمها، يجب أن تعلم معنيين لها: معناها في اللغة (أصلها اللغوي)، ومعناها بين أهل الاصطلاح (أهل العلم والتخصص). وحتى لا تمل يا قارئنا العزيز، فأنا كنت مثلك تمامًا عندما أسمع “ما معنى شيء ما لغة واصطلاحًا” أشعر أننا على باب محاضرة لغة عربية!

لكن، بكل بساطة، هذه الطريقة ستساعدك على فهم أصل الكلمة، وما معناها المتعارف عليه، وما استخدامها. لنعد إلى سياقنا، ما معنى الترجمة لغة واصطلاحًا؟

التَّرْجُمانُ: هو المُفَسِّرُ للسانِ، والترجمة في اللغة هي النقل والإبانة؛ يُقال: «تَرجَم الكلام» أي نقله من لغة إلى أخرى وعبّر عنه بوضوح. وأصل الكلمة من الفعل “تَرْجَمَ” أي فسّر وبيَّن المعنى.

الترجمة اصطلاحًا: هي نقل المعنى والمضمون من لغةٍ إلى لغةٍ أخرى مع الحفاظ على الفكرة والأسلوب بقدر الإمكان، بحيث يُفهم النص المترجَم كما يُفهم النص الأصلي في لغته الأم، دون إخلال بالمعنى أو تشويه للمضمون.

أي باختصار، الترجمة هي نقل نص من اللغة المصدر (اللغة الأم التي تُترجم منها أو اللغة الأصلية للنص) إلى اللغة الهدف (اللغة المراد الترجمة إليها)، لكن ليس نقله لغويًا فقط، بل فكريًا وثقافيًا أيضًا، حتى لا يحصل سوء فهمٍ أو تشويهٌ للمعنى.

ومن أمثلة سوء الفهم التي حدثت بسبب الترجمة التي تتجاهل الفروق الثقافية والفكرية، أنه في عام 2018 مثلًا، أطلقت شركة Pepsi إعلانًا عالميًا بشعار:
“Come alive with the Pepsi Generation.”
في الصين تُرجم الشعار إلى معنى قريب من:
“بيبسي تعيد أسلافك إلى الحياة!”
وبسبب تجاهل الفروق الثقافية في دلالة كلمة come alive كانت النتيجة موجة سخرية ورفض شعبي واسع، وانخفاض كبير في المبيعات.

وحتى شركة كوكاكولا لم تسلم من نفس الأمر، ففي إعلان شركة Coca-Cola في الصين أيضًا، في أول ترجمة لاسمها، استُخدمت حروف صينية تعني “عضّ الضفدع الشمعي”، لأنهم ركزوا على الصوت لا على المعنى! لكن عُدِّلت لاحقًا الترجمة إلى “可口可乐” (كو كَو كو لَ)، أي “الذوق السعيد” أو “اللذة الشهية”.

ما أنواع الترجمة؟

أنواع الترجمة تختلف بحسب الأسلوب أو المجال أو الوسيلة.

أنواع الترجمة حسب الأسلوب (According to Style):

  • الترجمة الحرفية (Literal Translation): هي ترجمة النص حرفيًا كلمةً بكلمة، وهذا نوع ترجمة ركيك جدًا، وكان يُستعمل قديمًا في ترجمة الكتاب المقدس الخاص بالنصارى، ويستعملها أيضًا من يترجم بعض المصطلحات والأمثلة ترجمة حرفية، كالمثل الشهير: ترجمة It’s raining cats and dogs إلى “إنها تمطر قططًا وكلابًا!” بدلًا من “تمطر بغزارة”.

  • الترجمة الحرة أو المعنوية (Free / Sense-for-Sense Translation): هي ترجمة لا تتقيد بالنص بشكل كبير، ويفتح فيها المترجم لنفسه عنان الإبداع، مثل ترجمة Break a leg إلى “حظًا موفقًا” بدلًا من “اكسر ساقك”.

  • الترجمة التفسيرية (Interpretive Translation): شرح النص وتوضيح معانيه للقارئ مع الإضافة أو التوضيح الثقافي.

  • الترجمة الأدبية (Literary Translation): تكون في ترجمة النصوص الإبداعية مثل الأشعار والأعمال الأدبية عامة، مع مراعاة الحفاظ على الجانب الثقافي والشعوري للنص.

  • الترجمة الثقافية (Cultural Translation): تراعي السياق الاجتماعي والعادات والتفكير في اللغة الهدف.

أنواع الترجمة حسب المجال (According to Field):

  • الترجمة العلمية (Scientific Translation)

  • الترجمة القانونية (Legal Translation)

  • الترجمة الدينية (Religious Translation)

  • الترجمة الاقتصادية والتجارية (Economic and Commercial Translation)

  • الترجمة الإعلامية أو الصحفية (Media / Journalistic Translation)

  • الترجمة الأدبية (Literary Translation)

  • الترجمة التقنية (Technical Translation)

أنواع الترجمة بحسب الوسيلة (According to Medium):

  • الترجمة التحريرية (Written Translation)

  • الترجمة الفورية (Simultaneous Interpretation): وهي التي تتم في نفس اللحظة وغالبًا ما تكون في المؤتمرات، ولها أنواع أخرى مثل: الترجمة المتزامنة (Simultaneous)، الترجمة التتابعية (Consecutive)، الترجمة الهمسية (Whispered).

  • الترجمة التتبعية (Consecutive Interpretation)

  • الترجمة الهمسية (Whispered Interpretation)

  • الترجمة السمعية البصرية (Audiovisual Translation)

  • الترجمة الآلية (Machine Translation)

وأي مترجم ليقوم بترجمة أي نص، فهو يحدد مجال النص (مجال الترجمة)، ثم يحدد الأسلوب (أسلوب الترجمة)، فإذا كانت ترجمة طبية مثلًا، فسيستعمل أسلوبًا دقيقًا في الترجمة، ومن بعدها يحدد الوسيلة: هل ستكون ترجمة تحريرية أم فورية؟ على حسب، ويُسنّ أدواته ويبدأ في الترجمة مع مراعاة الثقافة التي يترجم منها وإليها.

وإذا كان سيترجم مجالًا متخصصًا، فيجب أن يراعي المصطلحات التخصصية في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، أخذت سابقًا في الجامعة محاضرة ترجمة سياحية وأثرية من اللغة العربية إلى الألمانية، فكان مطلوبًا من أحد الطلاب ترجمة كلمة أسرة فرعونية. فكلمة أسرة ترجمها إلى die Familie، والأصل أن هذا مصطلح في الترجمة السياحية، فالمفترض أن يترجمها إلى die Dynastie.

فعند الترجمة، يدمج المترجم بين المجال + الأسلوب + الوسيلة + الثقافة + أدوات المترجم.

ما المهارات الأساسية للمترجم الناجح؟

مهارات لغوية (Language Skills)

  • إتقان اللغة المصدر واللغة الهدف: أول خطوة، وحجر الأساس للدخول في مجال الترجمة هي إتقان لغتين أو أكثر، لغتك الأم واللغة التي تتعلمها (اللغة الأجنبية). كان هناك أستاذ جامعي يقول لنا: أول مفتاح لإتقان أي لغة تتعلمها هو إتقان لغتك الأم، وكلما كنت أقوى وأكثر معرفة بلغتك الأم، كنت كذلك في لغتك الثانية.

  • إلمام تام بقواعد الكتابة في اللغتين: ستحتاج لإلمام كبير بلغتك الأم (العربية هنا) واللغة الأجنبية التي ستتعلمها، واللغة التي ستترجم لها هي اللغة التي سيكون مطلوب منك إلمام أكبر بقواعدها. فإذا كنت ستترجم من العربية إلى الألمانية مثلا، فأنت تحتاج لإلمام تام بقواعد اللغة الألمانية (وللعلم، قواعد اللغة الألمانية أقل وأكثر بساطة من الإنجليزية مثلاً)، ويكفيك قدر بسيط من المعرفة بقواعد اللغة العربية.

  • معرفة ثقافية بالناطقين باللغتين: الترجمة ليست مجرد نقل معنى كلمة من اللغة المصدر إلى اللغة الهدف، بل نقل ثقافة وفكر أيضًا، خصوصًا في الترجمة الأدبية مثل القصص والروايات والأشعار والترجمة الاجتماعية. لكن هناك بعض الترجمات العلمية المتخصصة التي لا تحتاج إلى معرفة كبيرة بالثقافة بين اللغتين، مثل الترجمة الطبية والتقنية والقانونية.

  • التخصص والمعرفة المتعمقة: الترجمة مثل البحر؛ السباحة في عدة اتجاهات لن توصلك للبر، لكن السباحة في اتجاه واحد ستوصلك. كذلك، التخصص في أحد أنواع الترجمة (الأدبية، العلمية، الطبية، التقنية، الدينية، القانونية… إلخ) يجعلك أكثر فهمًا وعمقًا في تخصصك، وبالتالي أكثر قوة وإلمامًا به من أي مترجم حر آخر يترجم في عدة تخصصات. وسيبني لديك قاعدة وثروة لغوية كبيرة في هذا التخصص، فمع الوقت وتكرر المصطلحات لن تواجه الكثير من العناء أثناء الترجمة.

ومع الوقت سيكون لديك معرفة عميقة ومتخصصة في هذا المجال، وقد رأيت على موقع خمسات الشهير، وهو موقع للعمل الحر عبر الإنترنت، أحد المترجمات التي تخصصت في مجال العملات الرقمية، خصوصًا بعدما رأت ندرة في المترجمين المتخصصين في هذا المجال. وإن وُجد مترجم متخصص، فقد يعاني من ضعف الكفاءة والمعرفة في هكذا تخصص، فهي درست هذا المجال جيدًا ومع الوقت بنت قاعدة جماهيرية واسعة بين المشترين على منصة خمسات.

  • التعلم المستمر: أي شخص ناجح أو يريد أن يكون ناجحًا في مجاله فهو لا يكف عن التعلم والاستزادة من المعرفة. تدري يا صديقي، لدينا أستاذ جامعي، وهو شخص كفء جدًا، مترجم، وعميد كلية الألسن في أحد المحافظات، وعاش في ألمانيا عدة سنوات، ومنتسب عضو هيئة تدريس في أحد الجامعات الشهيرة هناك، ومع إلمامه الكبير جدًا باللغة العربية، إلا أنه لا يكف عن التعلم.

فإذا ذكرنا له نحن طلابه في المحاضرة اسم أحد الكتب، كان مهتمًا بالتعرف عليه وقراءته والاستزادة، وكان شخصًا متواضعًا جدًا برغم علمه.

المهارات الناعمة (Soft Skills)

 

  • التسويق الذاتي: بكل بساطة، قد تكون متفوقًا وبارعًا جدًا في الترجمة، لكنك لا تستطيع تسويق خدماتك ومهاراتك هذه على المنصات، لذلك عليك العناية بتعلم أساسيات التسويق الشخصي ويمكن قراءة دليل المبتدئين لبناء علامة تجارية شخصية ولبناء علامتك الشخصية على منصات التواصل كمترجم محترف.

  • مهارات العمل الحر عبر الإنترنت: لديك المهارة، لكن لا تعلم كيف تبدأ وتخوض في سوق العمل الحر، ولا كيف تسعر خدماتك، ولا كيف تكون مستقلًا محترفًا، لذلك نقدم لك دليلًا عن كل ما تحتاجه لبدء شغل فريلانسر.

المهارات التقنية (Technical Skills)

  • إتقان أدوات الترجمة بمساعدة الحاسوب (CAT Tools): برامج مثل Trados Studio، OmegaT، MemoQ، Wordfast.

  • استخدام الحاسوب جيدًا، ويستحسن أخذ شهادة ICDL (الرخصة الدولية لقيادة الحاسب).

  • استعمال برامج التحرير والتنسيق: مثل Microsoft Word، Google Docs، Excel، PowerPoint.

  • أدوات إدارة الترجمات السمعية والبصرية (Audiovisual Tools): برامج مثل Subtitle Edit، Aegisub، MKVToolNix، iMovie.

  • استخدام أدوات القواميس والمراجع الرقمية: مثل Oxford Dictionary، Linguee، Termium، Glosbe.

  • التعامل مع أنظمة إدارة المشاريع والأرشفة: أدوات مثل Google Drive، Trello، Asana، Slack.

  • استخدام برامج الترجمة الآلية والذكاء الاصطناعي: مثل Google Translate، DeepL، ChatGPT.

  • معرفة صيغ الملفات وأنظمة التشفير: وكيفية التعامل مع صيغ مختلفة DOCX، PDF، SRT، SUB، HTML.

  • التدقيق الإلكتروني ومراجعة النصوص: باستخدام أدوات مثل Grammarly، LanguageTool، Microsoft Editor.

  • حسن استعمال أدوات التعاون السحابي: مثل Dropbox، OneDrive، Google Workspace.

  • إدارة قواعد المصطلحات (Terminology Management): بأدوات مثل SDL MultiTerm، MemoQ Term Base.

خطوات تعلم الترجمة خطوة بخطوة

1. تعلم لغة أجنبية

بالطبع سيكون من المفترض أن لديك لغة أجنبية ووصلت لمستوى قوي فيها، وهذه نقطة مفروعة منها، لكن على العموم هذه بعض المصادر التي قد تفيدك:

2. تعلم أساسيات الترجمة

تعلم الترجمة خطوة بخطوة سواء عن طريق دورات الترجمة على منصة إدراك، أو منصة كورسيرا بالعربية (Coursera Arabic Subtitles)، أو منصة رواق.

أو الاطلاع على منتديات الترجمة العربية، وموقع الترجمة التعليمية – Arabic Translation Academy، وكذلك موسوعة المصطلحات العربية.

وأنا أرشح لك قراءة عدة كتب لتكون مدخلك لعالم الترجمة والتعريب، خصوصًا أول كتابين مثل:

  • فن الترجمة – محمد عناني من مؤسسة هنداوي

  • فن الترجمة والتعريب – عباد ديرانة – أكاديمية حسوب

  • عن تعريب المصطلح وترجمته في العلوم الإنسانية ودراسات أخرى – محمد عناني

  • الترجمة الأدبية: بين النظرية والتطبيق – محمد عناني

  • الترجمة في العالم العربي: الواقع والتحدي: في ضوء مقارنة إحصائية واضحة الدلالة – شوقي جلال

  • تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي – جمال الدين الشيال

  • الترجمة وأساليبها – د. إبراهيم نجم

  • فن الترجمة بين النظرية والتطبيق – د. محمد صالح الملاح

  • أساسيات الترجمة التحريرية والفورية – مجموعة مؤلفين

  • الترجمة والأدب – د. إبراهيم المصري

ويمكنك الاستعانة بشات جي بي تي ليضع لك خطة كاملة، ويساعدك في إنجازها وشرح المفاهيم التي قد لا تفهمها.

ومن الأمور التي أحب أن أختم بها قصة قصيرة قد تحفزك على السعي والمضي قدمًا في تعلم الترجمة: فتاة تعمل عبر منصة خمسات للعمل الحر، نبذة عن المترجمة منى محمد، هي مترجمة مصرية من الإسكندرية، تعمل في الترجمة منذ 9 سنوات.

بدأت كمترجمة في مكتب ثم انتقلت للعمل الحر من المنزل.

تجربتها في العمل الحر كانت مثمرة ومفيدة؛ حيث بدأت على موقع خمسات بعد توصية من صديق. وبالطبع، واجهت صعوبة في البداية بالحصول على أول خدمة، لكن تقييم إيجابي واحد فتح لها الباب للنجاح. تعاملت مع أكثر من 210 عميل، وقدمت أكثر من 1350 خدمة، وحققت أرباحًا تجاوزت 8000 دولار – بارك الله لها فيما رزقها -.

ألا تريد أن تكون لك قصة نجاح مثل هذه المترجمة؟